-->

موجة تضخم تضرب الأسواق العالمية والعربية




تشهد دول العالم موجة تضخم وإرتفاع فى أسعار الكثير من السلع والخدمات يزداد خطرها على الإدخار والقوة الشرائية والإستقرار الاقتصادي لكثير من دول العالم. لكن السؤال المهم هو كيف تتأثر الدول العربية بذلك أكثر من غيرها؟ وما السبيل الأفضل للحد من الإرتفاع المستمر في أسعار السلع؟

بداية الحكاية

منذ بداية العام الماضى تضافرت الكثير من الأسباب التى أدت لضعف الإنتاج بسبب الإغلاق وتبعات إنتشار فيروس كورونا، ثم مالبث أن ضرب العالم موجة من التغيرات المناخية كهطول الأمطار بغزارة على بعض المناطق أو إشتعال الحرائق فى مناطق أخرى من أوروبا والمغرب العربى، بل وحالات الجفاف التى ضربت بعض المناطق كأميركا الجنوبية وخصوصا البرازيل، كل هذا أدى لضعف إنتاج الحبوب والزيوت وإرتفاعها لمستوى سعرى غير مسبوق.

ناهيك عن مايحدث فى سوق الطاقة بعد أن أوشكت كثير من الدول المتقدمة عن تطيعم شعوبها وإعادة فتح شرايين الحياة والإقتصاد من جديد، وعودة المصانع للعمل بكل طاقتها مما أحدث ضغوطا على أسعار النفط والسلع البديلة كالغاز إلذى إرتفع إلى مستويات قياسية تعدى فيها برميل النفط 80 دولار والغاز المسيل 30دولار، فى الوقت الذى لم يستطع العرض أن يواكب الزيادة الرهيبة فى الطلب على المحروقات وخصوصا من دول كالصين.

ومن المعروف أن أى إرتفاع فى أسعار الطاقة يواكبه على الفور إرتفاع فى تكلفة النقل والنولون والشحن البحرى مما ألقى بظلال بعيدة على كافة السلع المستوردة والمحلية.

وتزامن مع هذا دخول فصل الشتاء والحاجة الأوربية إلى المزيد من الغاز للتدفئة خصوصا بعد إستنزاف أغلب الدول لمخزونها فى الشتاء السابق.

وعليه وعلى خطى جائحة كورونا بدأت تضرب أغلب دول العالم موجة تضخم وإرتفاع فى الأسعار تطال الكثير من السلع بنسب متفاوته وفي مقدمتها السلع الأساسية كالأغذية ومواد البناء وخصوصا المنتجات كثيفة إستهلاك الطاقة كالأسمنت والحديد والسيراميك وخلافه. وقد وصل هذا الإرتفاع على سبيل المثال إلى معدلات تجاوزت 30 بالمائة بينما وصل الإرتفاع من 15 إلى 20 بالمائة بالنسبة للخضروات والفواكه والحبوب.

ولم تسلم منطقة اليورو من هذه الإرتفاعات لتتراوح معدلات التضخم فى هذه السنة بين 4 إلى 5 بالمائة، أي ما يزيد بنسبة 2 بالمائة عن الحد الأقصى المسموح به فى منطقة اليورو وهو نسبة 3 بالمائة.

أما في الولايات المتحدة فقد تجاوز معدلات التضخم 5 بالمائة.

ولا يختلف الوضع في دول صناعية كبرى كالصين وكوريا الجنوبية واليابان، في حين يبدو الوضع أكثر ماساوية بكثير في دول أخرى مثل بريطانيا بسبب تبعات البريكست.

لماذا تتأثر الدول العربية بذلك أكثر من غيرها؟ وما السبيل الأفضل للحد من الإرتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية؟

وصلت معدلات التضخم العالية إلى الكثير من الدول العربية خلال العام الماضي 2020.
والدول العربية معروف عنها انها دول مستهلكة، وليست دول مصدرة، فيما عدى تصديرها للبترول الخام والغاز الطبيعى وبعض المشتقات النفطية، ورغم إرتفاع عائدات تصدير البترول ومشتقاته، فإن الدول العربية تستورد تقريبا معظم السلع من الخارج، وهى ضعيفة إنتاجية لحد كبير، وهم مايعنى إرتفاع شديد فى كافة اسعار السلع المستوردة ودفع فاتوزة إستيراد باهظة التكاليف.

 ويتوقع صندوق النقد الدولي معدلات تضخم في مصر والجزائر وتونس والسودان بنسب سنوية تتراوح بين 6 و 10 بالمائة هذه السنة 2021.
أما فى الدول العربية التي تعيش أزمات سياسية أو حروب مثل اليمن وليبيا والعراق، فيتوقع الصندوق نسب تضخم تتراوح بين 18 و 31 بالمائة.


أما في لبنان وسوريا فقد وصل التضخم إلى مستويات مفرطة تراوحت بين 50 و 100 بالمائة خلال السنة الماضية 2020 على صعيد السلع التي لا تدعمها الدولة أو رفعت عنها الدعم، مما قد ينذر بعواقب فى غاية السوء لمثل هذه الدول والتى قد تصل للإفلاس.

لماذا يصب البعض غضبه على البنوك المركزية ؟
نتيجة لتوقف وإنقطاع سلاسل التوريد العالمية ونقص الإمدادات وتوقف الكثير من المؤسسات جزئيا أو بشكل كامل عن العمل لأشهر طويلة بسبب جائحة كورونا، وتراجع الإنتاج والعرض وإرتفاع الأسعار التي يزيد من حدتها إرتفاع تكاليف الشحن والتأمين والمواد الأولية والوسيطة.

رأى البعض أن إستمرار البنوك المركزية منذ الأزمة المالية العالمية فى 2008  في اتباع سياسة التيسير النقدي بفوائد لا تتجاوز 0.5 بالمائة قد صب الزيت على النار مما دفع الشركات والأفراد إلى الهروب من الادخار في البنوك لفقد النقود قيمتها على ضوء معدلات التضخم المرتفعة وإنخفاض الفائدة، مما أدى إلى زيادة الطلب على العقارات والسلع الثمينة بشكل أدى إلى إرتفاع مستمر في أسعارها وزيادة الضغوط التضخمية.

ماذا يجب على العرب فعله؟

بما أن أغلب الخبراء يرون أن هذه الموجة التضخمية مؤقته وغير مستمرة وأنها قد تتلاشى مع الربع الأول من العام القادم 2022 ، وهو الوقت المناسب للسماح للسوق بتصحيح أوضاعه والعودة لوضع التوازن، وهو مانامل جميعا أن يتحقق قريبا، فيجب على الدول العربية القيام بالآتى:-

- سرعة تكوين مخزون كاف من السلع الإستراتيجية حتى يمكن الإعتماد عليه خلال الأشهر القادمة للحد من فاتورة الإستيراد المرتفعة، ولحين إنتهاء هذه الموجة.

- وقوف الدول بجانب شعوبها والتخلى ولو مؤقتا عن رفع الدعم وخصوصا على المحروقات، وأن توفره الدول لمواطنيها بسعر مناسب يحافظ على إستقرار الأسعار، على أن تتحمل الدولة فروق الدعم من ميزانياتها، خصوصا إذا كان هذا الدعم سيكون لمدة أشهر قليلة.

- على البنوك المركزية العربية رفع سعر الفائدة بما يتناسب مع معدلات التضخم حتى تتمكن من إعادة الإدخار الهارب وتقليل حجم النقود المتداولة للحد من التضخم.

- الرقابة ثم الرقابة على الأسواق لمنع بعض التجار الجشعيين والمنتجيين من رفع أسعارهم، خصوصا فى ظل مخزون مشترى بالسعر القديم، والضرب على أيديهم بشدة فى حالة مخالفة ذلك، وهو ما يتطلب تفعيل كل الأجهزة والإجراءات الرقابية خلال الشهور القادمة.

- رفع وتنمية وعى الشعوب بضرورة امتناع عن شراء أى سلعة ترتفع أسعارها بصورة غير مبررة ومبالغ فيها.

أما عن المدى الطويل فلابد لنا من بناء قدراتنا الإنتاجية، وعدم إعتمادنا على تصدير المواد الأولية، والعمل على إنتاج قوت يومنا، فمن لا ينتج قوت يومه لا يستحق أن يعييش.

قد يعجبك أيضا


د.محمد جلال
كاتب المقالة
كاتب ومحرر في موقع إهتمامات العرب .

جديد قسم : أخبار إقتصادية

إرسال تعليق