الإصلاح المالى والإصلاح الإقتصادى ولماذا لا يشعر المواطن بأى تحسن فى أحواله المعيشية؟

لماذا لا يشعر المواطن البسيط بنتائج الإصلاحات الإقتصادية؟
الفرق بين الإصلاح المالى والإصلاح الإقتصادى

لا جدال أن الحالة المالية العامة فى مصر لا يمكن السكوت عليها لكونها  من الأسباب الرئيسية التى تعرقل كل جهود التنمية. فلا يمكن أن نترك خدمة الدين العام، ونفقات دعم السلع الغذائية والطاقة، وأجور العاملين فى الهيكل الإدارى المترهل للدولة أن تأكل موازنة الدولة، وتعيق الدولة عن القيام بدورها تجاه الشعب، ولا تجد ماتنفقه على الإستثمار، فى وضع لا يمكن قبوله لأنه يعرض الاقتصاد لمزيد من الإنهيار.

إن الإصلاح المالى والإصلاح الإقتصادى متكاملان كوجهى العملة الواحدة، ولايمكن فصلهما وإلا فشلنا فى الوصول للأهداف المرجوة من الأصلاح وعشنا فيما نعيش فيه الأن. ولذلك من الأجدر توضيح الفرق بين الإصلاح المالى والإصلاح الإقتصادى.

تعريف الإصلاح المالى

هى مجموعة من الإجراءات التى تهدف لتحسين أداء المالية العامة وتحقيق الإنضباط المالى وإدارة الدين الحكومى المحلى والخارجى كما تهدف الى ضمان التكامل بين السياسات المالية والنقدية للدولة، وعليه فالغرض منه هو ضبط عجز الموازنة وميزان المدفوعات عن طريق تخفيض نسبة الدين العام الى الناتج المحلى الإجمالى، وترشيد الدعم وتحرير سعر العملة والإصلاح الضريبى وغيره وكلنا متفقين أنها أمور ضرورية  لازمة للخروج من النفق المظلم الذى وضعنا فيه.

تعريف الإصلاح الإقتصادى

هو مجموعة من السياسات والإجراءات الهادفة إلى رفع الطاقة الإنتاجية ودرجة مرونة الاقتصاد. وعليه فهو يهدف الى  إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بحيث تصبح أكثر كفاءة وأعلى إنتاجية. ومما يعنيه ذلك مواكبة مؤشرات العرض والطلب بشكل فعال وإيجابي على المنتجين والمستهلكين.

بالتأكيد كل إجراء وله تكلفته التى يتحملها المواطن فى فترة الإصلاح المالى وحتى ينطلق الإقتصاد، ومما لا شك فيه أن الجزء الأول من الإصلاح وهو الإصلاح المالى تم تنفيذه بنجاح، ودفعنا ومازلنا ندفع ثمنه خصوصا أصحاب الدخول المنخفضة والمتوسطة ويكفى أن نوضح ماذا حدث بعد تخفيض الدعم و بعد تراجع الدولة فى فرض ضرائب مباشرة على أصحاب الدخول العليا ، سواء بإلغاء هذه الضرائب كالضريبة التصاعدية أو بتجميدها كالضريبة على أرباح البورصة وفرض الضرائب غير المباشرة كضريبة القيمة المضافة التى طالت كل المستهلكين فقراء وأغنياء وهو مايخالف أبسط حقوق العدالة.

وعليه،  فإن التحسن فى الإقتصاد الكلى للدولة ناتج عن تطبيق الإصلاحات المالية وهى بحد ذاتها غير كافية، بدليل أنه رغم إشادة المؤسسات المالية ببرنامج الإصلاح المصرى وتحسن الكثير من المؤشرات فإن المواطن المصرى يتساءل لماذا لا يشعر بهذا التحسن الورقى والحسابى على حياته الواقعية، وإليكم بعض الأسباب.

- رغم إرتفاع معدل النمو فى الناتج المحلى الى 5.6 عن العام الأخير إلا أن هذا الرقم بحد ذاته غير كاف على قياس معدل التنمية، فهو لا يعطى دلالة إلا لو نسبناه لمعدل الزيادة السكانية وهى حوالى 2.1 % ولا يمكن أن نشعر بإى تحسن فى أحوالنا المعيشية  إلا إذا كان هذا المعدل يزيد عن 3 أضعاف معدل الزيادة السكانية بمعنى إن يصل معدل النموعلى الأقل الى 6.3% وهو غير مرجح الوصول لهذا الرقم فى خلال السنوات القادمة وذلك وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولى.

- رغم إنخفاض معدلات البطالة الى 9% إلا أن الشيطان يسكن فى التفاصيل لأن أغلب من دخلوا سوق العمل هم من طائفة واحدة هى طائفة المعمار وهم السبب الرئيسى فى إنخفاض هذا المؤشر، وهى للأسف وظائف موسمية لن تدوم طويلا، بمعنى أن هناك الكثير منهم بعد إنتهاء مشاريعهم سيعودون الى منازلهم. فهذا المؤشر خداع لا يمكن الحكم عليه هكذا وبدون الإطلاع على التفاصيل.

- ضبط الإيقاع المالى من رفع الدعم وتحرير سعر صرف العملة رغم أنه أفاد الصالح لعام، إلا أنه كان له أبلغ الأثر السئ على المواطن الفقير ومتوسط الدخل، والذى إنعكس فى صورة زيادة غير مسبوقة فى إرتفاع الأسعار وصلت الى 32% عن عام 2016، خصوصا أن الغالبية العظمى منهم لا يستفيدون من أى برامج دعم إجتماعى.

- مع تطبيق برنامج الإصلاح المالى إرتفع الدين العام الى أرقام غير مسبوقة خصوصا مع سوء فى إدارة أصول الدولة من أراضى والبعد عن فقه الأولويات فى إختيار المشروعات.

ألم يسأل إحدكم لماذا أضعنا عامين كاملين فى عمل قانون جديد للاستثمار وتخيلنا أنه بصدوره سوف تتدفق علينا الإستثمارات من كل مكان، ثم لم يحدث ؟. أم يسأل أحدكم كم تحملنا من غلاء نتيجة التعويم وخفض سعر العملة، ومع ذلك لم تزداد الصادرات إلا بقدر قليل لا يتوازى مع المعاناه؟.

كلها أسئلة مشروعة وإجابتها معروفة للجميع ولا أعرف السبب الحقيقى وراء عدم تنفيذها ، فالمناخ الإقتصادى يزداد تعقيدًا بسبب توحش الروتين والبيروقراطية، و تدخل الدولة فى كل المجالات، والقضاء على القطاع الخاص، وعدم الرغبة فى إصلاح نظامها القضائى، وإرتفاع تكلفة التمويل، وغيرها من المشكلات التى تعرقل نمو الاستثمار.

 لو أردتم إصلاحا حقيقيا فلتساندوا القطاع الخاص، وساندوا رجال التصنيع، أعيدو فتح المصانع المغلقة، وساندوا رجال التصدير، وساندوا رجال السياحة، وأعيدو المنافسة الى الأسواق، أعيدوا ترتيب أولوياتكم بدلا من صرف المزيد على مشروعات كبرى غير ذات أولوية، وجهوا فوائضكم ا لتحسين مستويات المعيشة لملايين المواطنين، إعيدوا بناء المواطن المصرى، وإعملوا على إقامة نظام إقتصادى حقيقى أكثر عدلا وشفافية وخال من الفساد.

قد يعجبك أيضا



د.محمد جلال
كاتب المقالة
كاتب ومحرر في موقع إهتمامات العرب .

جديد قسم : مفاهيم إقتصادية

إرسال تعليق